ابن كثير

137

البداية والنهاية

عشرة ليلة ( 1 ) ورد الله حيي بن أخطب ، حتى دخل حصن بني قريظة ، وقذف الله في قلوبهم الرعب واشتد عليهم الحصار ، فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر ( 2 ) - وكانوا حلفاء الأنصار - فقال أبو لبابة : لا آتيهم حتى يأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أذنت لك ، فأتاهم أبو لبابة ، فبكوا إليه وقالوا : يا أبا لبابة ماذا ترى ، وماذا تأمرنا فإنه لا طاقة لنا بالقتال ، فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه ، وأمر عليه أصابعه ، يريهم إنما يراد بهم القتل . فلما انصرف أبو لبابة سقط في يده ، ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة . فقال : والله لا أنظر في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحدث لله ثوبة نصوحا يعلمها الله من نفسي ، فرجع إلى المدينة فربط يديه إلى جذع من جذوع المسجد . وزعموا أنه ارتبط قريبا من عشرين ليلة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غاب عليه أبو لبابة : أما فرغ أبو لبابة من حلفائه ، فذكر له ما فعل ؟ فقال : لقد أصابته بعدي فتنة ولو جاءني لاستغفرت له وإذ قد فعل هذا فلن أحركه من مكانه حتى يقضي الله فيه ما يشاء ( 3 ) . وهكذا رواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة ، وكذا ذكره محمد بن إسحاق في مغازيه في مثل سياق موسى بن عقبة عن الزهري ومثل رواية أبي الأسود عن عروة . قال ابن إسحاق ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بئر من آبار بني قريظة من ناحية أموالهم يقال لها : بئر أنى ( 4 ) . فحاصرهم خمسا وعشرين ( 5 ) ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف [ الله ] في قلوبهم الرعب . وقد كان حيي بن أخطب دخل معهم حصنهم ، حين رجعت عنهم قريش وغطفان ، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه ، فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم ، قال كعب بن أسد : يا معشر يهود قد نزل بكم من الامر ما ترون وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا بما شئتم منها . قالوا وما هن ؟ قال : نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل ، وأنه للذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنون به على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم . قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره . قال : فإذا أبيتم علي هذه ، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف ، لم نترك وراءنا ثقلا ، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه ، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء . قالوا : أنقتل هؤلاء المساكين ؟ فما خير العيش بعدهم ؟ قال : فإن أبيتم علي هذه فالليلة ليلة السبت ، وانه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها ، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة .

--> ( 1 ) في الواقدي : خمسة عشر يوما . ( 2 ) أبو لبابة الأنصاري المدني ، اسمه رفاعة ، وقيل مبشر ، وقيل بشير ، أحد النقباء ، كان مناصحا لهم لان ماله وولده وعياله في بني قريظة عاش إلى خلافة علي ( الاستيعاب - الروض ) . ( 3 ) نقله البيهقي عن موسى بن عقبة في الدلائل 4 / 13 - 14 . ( 4 ) في الواقدي : لنا والصواب بئر أنا : وهو بئر من آبار بني قريظة ( الروض - معجم البلدان - شرح المواهب ) . ( 5 ) قيل خمس عشرة ليلة ( الطبقات - الواقدي ) .